الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
235
تفسير روح البيان
نفوسكم الدنية الشهوانية وجهالة عقولكم السخيفة الهيولانية الا أسماء صور وهمية لا مسميات لها اوجدتها أوهامكم الضعيفة وأدركتها عقولكم المريضة المشوبة بالوهم والخيال التي هي بمرتبة آبائكم ليس لها عند أصحاب الطلب وأرباب الكشف والقرب وجود ولا نمو بل هي خشب مسندة ما جعل اللّه في تلك الأصنام النفسية والهوائية والدنيوية ولا ركب فيها التصرف في الأشياء في الإيجاد والاعدام والقهر واللطف والنفع والضر والأشياء علويها وسفليها جمادها ونباتها حيوانها وإنسانها كلها مظاهر الأسماء الإلهية ومجالي الصفات الربانية الجمالية والجلالية اى اللطيفة والقهرية تجلى الحق في الكل بحسب الكل لا بحسبه الا الإنسان الكامل فإنه تجلى فيه بحسب الكلية المجموعية وصار خليفة اللّه في الأرض وأنتم أيها الجهلة الظلمة ما تتبعون تلك الصفات الإلهية وما تشهدون في الأشياء تلك الحقائق الروحانية والاسرار الربانية المودعة في كل حجر ومدر بل أعرضتم باتباع الشهوات الحيوانية وملازمة الجسمانية الظلمانية عن ادراك تلك اللطائف الروحانية وشهود تلك العواطف الرحمانية واتبعتم مظنونات ظنكم الفاسد وموهومات وهمكم الكاسد واثرتم هوى النفس المشئومة على رضى الحق وذلك هو الخسران المبين وان الظن لا يغنى من الحق شيأ انتهى وقال الجنيد قدس سره رأيت سبعين عارفا قد هلكو بالتوهم اى توهموا انهم عرفوه تعالى فالكل معزولون عن ادراك حقيقة الحق وما أدركوا فهو أقدارهم وجل قدر الحق عن ادراكهم قال تعالى وما قدروا اللّه حق قدره ولذلك اجترأ الواسطي رحمه اللّه في حق سلطان العارفين أبى يزيد البسطامي قدس سره بقوله كلهم ماتوا على التوهم حتى أبو يزيد مات على التوهم وقال البقلى يا عاقل احذر مما يغوى أهل الغرة باللّه من الاشكال والمخاييل التي تبدو في غواشى أدمغتهم وهم يحسبون انها مكاشفات الغيوب ونوادر القلوب ويدعون انها عالم الملكوت وأنوار الجبروت وما يتبعون الا أهواء نفوسهم ومخاييل شياطينهم التي تصور عندهم أشكالا وتمثالا ويزبنون لهم انها الحق والحق منزه عن الاشكال والتمثال إياك يا صاحبي وصحبة الجاهلين الحق الذين يدعون في زماننا مشاهدة اللّه ومشاهدة اللّه حق للأولياء وليست بمكشوفة للأعداء وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى حال من فاعل يتبعون أو اعتراض وأيا ما كان ففيه تأكيد لبطلان اتباع الظن وهوى النفس وزيادة تقبيح لحالهم فان اتباعهما من اى شخص كان قبيح وممن هداه اللّه بإرسال الرسول وإنزال الكتاب أقبح فالهدى القرآن والرسول ولم يهتدوا بهما وفيه إشارة إلى إفساد استعدادهم الفطري الغير المجعول بواسطة تلبسهم بملابس الصفات الحيوانية العنصرية وانهما كهم في الغواشي الظلمانية الطبيعية فإنهم مع أن جاءهم من ربهم أسباب الهدى وموجباته وهو النبي عليه السلام والقرآن وسائر المعجزات الظاهرة والخوارق الباهرة الدالة على صدق نبوته وصحة رسالته اشتغلوا بمتابعة النفس وموافقة الهوى واعرضوا عن التوجه إلى الولي والمولى وذلك لان هداهم ما جاءهم الا في يوم الدنيا لا في يوم الأزل ومن لم يجعل اللّه له نورا في يوم الأزل فما له من نور إلى يوم الأبد واعلم أن الهدى ضد الهوى فلا بد من المتابعة للهدى قال بعض الكبار ليس لولى كرامة